القديس بولس الرسول: "حياتي هي المسيح" .... "إذا كان أحد في المسيح فهو خلق جديد"
أولاً : حياته ورسالته
ثانياً : رسائله
ثالثاً : تعليمه
رابعاً : بعض كلماته
أولاً: حياة القديس بولس ورسالته
الجزء الأوّل: إنتصار المسيح
1- مولد بولس ونشأته.
هو من طرسوس واسمه شاول.
ليس ما يدل بدقة على تاريخ مولده، ولكن المرجّح أنه ولد في نحو السنة السادسة بعد الميلاد، وكان يصغر يسوع بنحو سبع سنوات، أو أكثر قليلاً، ولكنه على نقيض يسوع، ولد في أحضان أسرة ميسورة، وفي مدينة كبيرة، وتوفّرت له أسباب العيش الرغيد، والعلم والثقافة.
في سياق تعريفه بهويته، يقول بولس أنه عبراني إبن عبراني، من سبط بنيامين، وفرّيسي إبن فرّيسي، وأنّه ختن في اليوم الثامن وفقاً للشريعة.
كان والدا شاول قد رزقا ابنة، ثم رزقا صبي، بعد طول انتظار ودعاء وتوسل، وأطلقا عليه اسم "شاول" العبري، وهو يعني "منّة الله استجابة لتوسّل" وهو ايضاً اسم الملك الأوّل من سبط بنيامين الذي كان والد شاول يعتز بالإنتماء اليه. وأعطي الصبي، أيضاً، اسماً آخر رومانياً يونانياً، تكيفاً مع مقتضيات المحيط، وهو بولس، ويعني الصغير الضئيل الحجم، فكان يدعى شاول في البيت وفي حلقة المعارف، ويسمّيه الغرباء "بولس".
كان والده ينعم بالرخاء ويعمل في حياكة الأقمشة وكان فرّيسياً شديد الصرامة في الإتجاهات الدينية والوطنية. أدخله والده الى أسرار الكتاب الأصلية المقدّسة التي تعلّمها من المدرسة ومن الترجمة السبعينية.
في المساء كان الصبي يجلس على الأرض، عند قدمي والده الذي يروي له قصصاً مثيرة عن الشعب اليهودي، متحدثاً تارة بالآرامية، وتارة أخرى باليونانية، لكي يجعله يألف اللغتين معاً، وكان يتلو على مسامعه مقاطع من الكتاب المقدّس.
كان لليهود طريقة خاصّة في الثقافة. يبتدىء الولد عندما يبلغ السن الخامسة الأمور الهامة التي تتضمّنها الشريعة في الفصل الخامس والسادس من تثنية الإشتراع والمزامير ( 113-118) التي كانوا يرتلونها في الأعياد الكبرى.
لمّا بلغ شاول الخامسة، باتت تربية أبيه أكثر جدّية، فالدروس أشدّ دقّة ووضوحاً، والعصا أثقل وطأة: فالتقاليد الفريسية كانت توصي بالشروع، منذ تلك السن المبكرة، بتلقين الصبي التوراة، ومبادىء الشريعة، ومعاني الأعياد الكبرى، والمناسبات الدينية. وهكذا طيلة سنة، فرض على شاول قضاء ساعتين، كل يوم، يتهجأ الأحرف العبرية والآرامية، ويستظهر الوصايا، والصلوات اليومية، زمبادىء اللغة اليونانية.
في السادسة من عمره ذهب شاول الى "الأمبلو او الكرمة" أي مدرسة المجمع القائمة مقابله. وكان عبد يحمل كيس الصبي ويذهب به وسط الطرقات وبولس يتبعه. كان يجلس على الأرض ويضع اللوح الحجري فوق ركبتيه والقلم بيده. أربع مرّات، كل يوم، كان يجتاز الطريق من المنزل الى المدرسة ومن المدرسة الى المنزل. كان يتعلّم تاريخ شعبه، وإلى جانب التعاليم الدينية باللغتين الآرامية واليونانية، تعلّم الجغرافيا والحساب، وتدرّب ايضاً على مهنتي الحياكة وصنع الخيام.
في الثامنة من عمره، كان شاول يتلو المزامير بمفرده، ويلمّ بالكثير من تعاليم دينه. وعندما بلغ العاشرة من العمر بدأت المرحلة الثانية من ثقافة بولس التي لم تكن مريحة كالأولى. شرع معلّموه يلقنونه "الميشنا" أي طريقة الأقدمين، وشرائع شعبه الشفوية التي تتناقلها الأجيال، والتي ترمي الى وقاية نفسه بما يشبه سوراً من الوصايا والمحظورات.
في الثالثة عشر، أصبح على غرار اليهود الأتقياء، "إبن الشريعة"، وغدا يمارس، بدقّة، جميع الطقوس.
2- ابن طرسوس.
في سياق تعريفه بهويته، يقول بولس، ايضاً باعتزاز: "أنا طرسوسي" . في العام 64 قبل لميلاد، كان طرسوس قد أصبحت عاصمة ولاية كيايكية التي ضمّت، في في عهد أغوسطس، الى اقليم سورية، وأطلق عليها القائد اليوناني كسينوفون اسم "المدينة الكبيرة السعيدة".
اشتهرت طرسوس بتجارة العطور والنبيذ، وبرع مهنيّوها في صناعة أقمشة الصوف والكتان وشعر الماعز.
ولم تكن طرسوس مركز تجاري نشيط فحسب، بل كانت مركز تبادل حضاري عريق، وملتقى حضارتين آنذاك: الإغريقية الرومانية الغربية، والسامية الشرقية. كانت طرسوس تحتضن جامعة تضاهي جامعتي أثينا والإسكندرية، ويتولى التدريس فيها معلّمون ذائعو الصيت. وكانت مع الإسكندرية وأثينا مثلّث الحضارت القديم.
في تلك الأيام كان عدد سكّان طرسوس يناهز ثلاث مئة الف نسمة من مختلف الشعوب. وتميّزت الجالية اليهودية، في طرسوس، بتماسكها وتحفّظها والتفافها حول زعمائها زتشبثها بتقاليدها الخاصة، ومحاكمها، ومدارسها ومجامعها، ونشاطها في محيطها. في اطار هذه الجماعة، ولد شاول وترعرع، وتلقى ثقافته الأساسية.
صحيح أن تأثير تربية شاول اليهودية كان هو الأقوى، ومع ذلك تأثر، في أعماقه، بالنزعتين اللتين كانتا تتنازعان أذهان الطرسوسيين: نزعة شرقية سامية آسيوية، وأخرى هلّينية. وبالإجمال استمد شاول من طرسوس ثقافة منفتحة على مختلف شعوب الأرض. ثمّ جاء تأثير أورشليم لكي يغني ما خلّفته طرسوس من تأثير أغنى عبقريته.
3- "تحت أقدام غملائيل" في أورشليم
على العبراني، وفقاً لتقليد كهنوتي يهودي قديم، أن يبدأ بقراءة التوراة في الخامسة من عمره. والميشنا "التقليد اللفظي" في العاشرة، والتلمود "التعليم" في الخامسة عشر. وفي الثامنة عشر يجب أن يقاد الى المخدع العرسي.
من الجائز أن يكون والد شاول، كفرّيسي أصيل، قد حمل ابنه، في الخامسة عشر من عمره، الى أورشليم في عيد الفصح، ليسجّل في مدرسة الهيكل الشهيرة.
سكن شاول في بيت صديق لوالده، هو أيضاً كان فرّيسياً من قبيلة بنيامين يعمل حائكاً، وله ولدان باتا رفيقي شاول في البيت وفي المدرسة. أما المدرسة فكانت هي المثلى لفرّيسي يبغي التوغل في معرفة الشريعة، هي مدرسة الرابّي غمالئيل. وغمالئيل هذا "من معلّمي الشريعة، يحترمه الشعب كلّه" (رسل،5/34) وعضو في المجمع، ورجل بارز بسبب أفكاره الغزيرة الواسعة، وقائد روحي تجرّأ وأخذ الرسل تحت جمايته. عدد تلاميذه كان يناهز الخمس مئة، ولكنه لم يحتفظ، الى جانبه، إلاّ ببعض الأتباع، الذين يجلّونه كأب ويدعونه "أبّا"، ويتقاسمونه العيش والطعام والصلاة، وكان شاول أحدهم.
في مدرسة غمالئيل تمرّس شاول في الفقه التوراتي، وتلك الدراسة كانت تتطلّب جهداً فائقاً، إذ كان يتعيّن على الطالب أن يحفظ عن ظهر قلب، لا النصوص المقدّسة فحسب، بل أيضاُ، تأويلات كبار الرّابين.
أمضى شاول سنوات عديدة عند قدمي معلّمه، ومن حسن طالعه أن معلّمه كان من أكثر علماء الشريعة انفتاحاً وطيبة وتسامحاً. ومن مواقفه المشهودة أنّه، عندما أمعن اليهود في اضطهاد تلاميذ يسوع، وقف وحده موقف الحكمة والإعتدال، فخاطب أعضاء السنهدرين قائلاً: "احذروا ممّا تنوون فعله بهؤلاء الرجال. فأقترح عليكم الآن أن تعدلوا عنهم، وتدعوهم وشأنهم، لأنه ان كان قصدهم أو عملهم من عند الناس، فإنه سيضمحلّ من نفسه، وأمّا إذا كان من عند الله، فلن تستطيعوا نقضه، وتتعرّضون لأن تكونوا في حرباً على الله"
ومن المحقّق أن شاول، بفضل تربيته الهلّينية، قد استظهر التوراة، بترجمتها اليونانية، المعروفة بالسبعينيّة. ولكنّه عندما أمسى يقرأ التوراة على ضوء أنوار دمشق، والهام الروح القدس، بات يجهد في استنباط مكنوناتها، واستخلاص تأويلاتها التي تشير الى تعالي يسوع ورسالته الخلاصية.
والى جانب علم التوراة، تلقّى شاول، عملاً بالتقليد الفرّيسي، تعليماً موسوعياً، فأتقن لغّات عديدة منها العبرية لغة الأجداد، واليونانية لغّة الثقافة، واللاتينية لغّة الحكّام، والآرامية التي كانت رائجة في فلسطين وسورية. وتلقى دروساً عملية في الزراعة وعلم الحيوان والنبات، والتشريح، والمّ بمبادىء الطب الأساسية، ومبادىء الحقوق اليهودية والرومانية، وبأصول المحاكمات.
وأكثر ما اهتمّ به غمالئيل هو إعداد طلاّبه ليكونوا خطباء وواعظين. وقد أتقن شاول فنّ النقاش والمناظرة والمرافعة.
في العشرين م عمره، كان شاول قد أنهى تعليمه الأساسي، وأمسى عالماً في التوراة والشريعة، وفي أورشليم ابتدأ جهاده. هبط أورشليم يهودياً، وعاد منها متعصّباً، مغالياً في يهوديته.
في العشرين م عمره ، كان شاول قد أنهى تعليمه الأساسي، وأمسى عالماً في التوراة والشريعة، وفي أورشليم ابتدأ جهاده . هبط أورشليم يهودياً، وعاد منها متعصّباً ، مغالياً في يهوديته.
4- فترة تدريب ونضوج في طرسوس
ثانياً: رسائل القديس بولس
الرسالة الى أهل رومة
1- مقدّمة:
لا يختلف اثنان في أن الرسالة الى أهل رومة هي أهم رسائل بولس الرسول واغناها من جهة العقيدة.ولم يكن في التاريخ لأي رسالة أخرى ما كان لها من التأثير.
كتب الرسول بولس هذه الرسالة نحو السنة 57م، باسطاً فيها الموضوعات الرئيسية التي تتناول الخطيئة والخلاص والفداء والتبرير والنعمة والمصالحة.
كان يهدف الى احداث التغييرفي اولئك المؤمنين الذين لم يسبق ان زارهم شخصياً، واللذين يقيمون في المدينة ذات التأثير الأوسع في ذلك الزمان .
هناك عوامل عديدة دفعت بولس الرسول الى كتابة هذه الرسالة.فروما كانت محط تطلّعاته، وكانت توحي لو بأوسع الآمال حول مستقبل الكنيسة.
كانت المسيحية قد رأت النور في روما على يد بطرس وأعوانه، الذين بدأوا بتبشير الجالية اليهودية الكبيرة العدد هناك. ولكن سرعان ما اعتنق دين يسوع ، في روما ، من الوثنيين ما فاق عدد المسيحيين من أصل يهودي، ممّا حدا ببولس الى مخاطبة هؤلاء وأولئك حرصاً على وقاية الأذهان من دسائس المتهودين، وإطلاع المسيحيين الرومانيين على واقع الإيمان المسيحي الشامل، الصافي، لئلا يقعوا في مثل ما وقعت فيه كنائس أخرى من إشكال وانقسام من جراء تضارب التعاليم.
وكان بولس ، الذي غدا من أقطاب المسيحية، يشعر بجسامة مسؤوليته في ترسيخ الوحدة المسيحية، وتدعيم الكنيسة الجامعة. وكان يساوره شعورخفي أنه ، بتوجهه الى أورشلييم ، إنما كان يقذف بنفسه بين أشداق الوحوش، فارتأى من واجبه أن يزوّد المسيحية بوصيته الروحية، وبحصاد أفكار حياته الخصبة التي نضجت. فجاءت تلك الرسالة الى الرومانيين بحثاً لاهوتياً حول المسيحية، والوضع الجديد الذي نشأ معيسوع. وما انفكّت تلك الرسالة، بعد اٌنجيل، الوثيقة الأكثر استفاضة، والأكثر علنيّة في التعبير عن المسيحية الأولى.
تتردّد في هذه الرسالة أصداء سيرة بولس منذ اهتدائه، وانتدابه للرسالة، ونشاطه، ووعظه ونضالاته، وهي تعكس تاريخه الداخلي والخارجي، وفكره اللاّهوتي، وتشير الى اكتشافاته التي جعلت منه مسيحيّاً حقاً، خادماً ليسوع، ورسوله الى الأمم. هي أغنى رسائله تعليماً، واكثفهاً فكراً،بل هي قمّة كتاباته، ولا بدّ أنها اقتضت الكثير من السهر والتركيز، والصلاة، واستلهام الروح القدس.
2- محتوى الرسالة كما لخّصها الكاتب الإلماني هولزنز:
من قبل ، كانت البشرية تحت غضب الله؛ إذ إنّ كل ما بلغته من حضارة وفلسفة وثقافة وازدهار، عجز عن الحؤول دون انحطاطها الأدبي.فقد عرف الوثنيون الله ، والشريعة الأخلاقية الطبيعية، ولكنهم أشاحوا عن الحقيقة. إن الإنسان يملك بالفطرة معنى الله في ثنايا عقله ووجدانه؛ وهو من خلال مرآة الخليقة يستشف قدرة الله، ومن خلال الشريعة الأخلاقية الطبيعية يكتشف مشرّعاً أسمى، ومن خلال المثل العليا الفطرية يتبيّن قداسة الله.
ومعرفة الله تقتضي من الإنسان أو يؤمن بالله، ويعبده ويحبّه؛ لكن خطيئة الوثنية الكبرى تمثّلت في عبادة المخلوقات، وقوى الطبيعة، والكواكب، الحيوانات، والإبداعات الفنية والروحية، والدولة المتجسّدة في الحاكم، وفي الركوع أمامها، عوضاً عن الإستدلال بالمخلوقات الى الخالق.ولكن الإنسان في معزل عن الله يفقد حتى كرامته، وعندما هو يؤلّه البشري لا يفقد الحس الإلهي فحسب ، بل أيضاً ، الحس البشري الحقّ، وينساق الى الغرائز البهيمية.
وقد رأى بولس بأمّ عينيه عبادة الأوثان التي ولّدت الخطيئة، تولّد الخطيئة باستمرار، وتقود الى شتّى ضروب الشذوذ والرذائل، والى الكذب والخيانة، والإباحية وانحلال المجتمع، وانعدام المحبة والتقوى.
ولا يكتفي بولس بابراز ضلال الوثنيين، بل يبرز أيضاً ضلال اليهود الذين مع ما أوتوا من وحي ووعد ، لم يدركوا مقاصد الرب، فتوقفوا عند عتية الحرف، ولم يلجوا الى محراب الروح؛ وتوهموا أن الخلاص امتياز موقوف عل شعبهم، بفضل سلالتهم الجسدية، في حين أن لا امتياز لإنسان على آخر، بالوراثة، في مجال الخلاص، وأن الشريعة الموسوية لم تكن وسيلة خلاص،بل مجرّد أسلوب تثقيفي، يحمل في ذاته بذور الغائه، عندما يستوفي مهمته. فمجيء المسيح قد الغى الشريعة، وبات من الواجب قراءة الوصايا بمفهوم جديد، وغدا اليهودي، كسواه،لا ينال البر إلا بالإيمان بيسوع ، مهما كان تمسّكه بالشريعة كاملاً، فالله لا يفرّق بين البشر الذين خلقهم جميعاً؛ وإذا خطئوا جميعهم شخصياً، اليهود منهم والوثنيون، واحتاجوا الى فداء ابن الله ، أشرع أمامهم درب الإيمان بيسوع، المفضي الى التبرير المجاني، وجاد للجميع بلا تمييز بنعمة الغفران والمصالح. إن التبرير بالإيمان يمكّن المؤمنين من تخطي الخطيئة صوب البرّ، والعبور من البرّ الى الخلاص.
معرفة الشريعة والعجز عن تطبيقها كانا سبب تفاقم الخطيئة. وبالإجمال لا ينال أحد البرّ بمجرّد أعماله، وثنياً كان أم يهودياً، بل بنعمة الله، وسيبقى سبب الخطيئة هو الكبرياء، والإكتفاء بالذّات مصدراً للدين والآداب.
إن يسوع بتضحية فدائه الدامية قد قضى على كل محاولات التبرير الذّاتية. ولئن كان المجد، في المجال الطبيعي ، أي في مجال العلم، والفن، والتقنية، أو في الميدان الإجتماعي، ميدان السلطة والسيطرة، يستحقّ بجهود شخصية، إلاّ أنه في ميدان ما يفوق الطبيعة، ليس من مآثر شخصية. فالعلاقة الأكثر كمالاً مع الله، علاقة البنوّة، لا يسعها أن تكون إلاّ موهبة النعمة.جوهر المسيحية المتميّز،إذن، هو مجانية النعمة والفداء.
لقد مات المسيح حباً بالبشر. فالله، بدافع حب لا يوصف، تدخّل في تاريخ البشر لكي يرتقي بهم الى القداسة؛ ولو لم يكن الحب هبة مجّانية لما كان حباً. وعندما يعمل الله، يكون عمله خلاّقاً يجدّد نفس المؤمن ويحوّلها فتصبح " خليقة جديدة" ، بفضل ولادة جديدة يحقّقها الروح.
والإيمان ليس عملاً بشرياً، وليس نتيجة استنتاجات منطقية، بل هو عمل الله وهبة الروح القدس. عندما يخاطب القديس بولس، بشأن التبرير بالإيمان ، مهتدين من أصل يهودي، يبرهن عن رأيه بنصوص الكتاب المقدّس، وبمثال ابراهيم؛ أمّا في مخاطبته المهتدين من أصل وثنيّ، فهو يدع الصليب يقول كلمته القوية التي لا ينجو من أسرها إنسان، كما أنّه يدعوهم الى التأمل في تجاربهم الروحية، وفي شهادة الروح القدس.
ولئن كان في خطيئة البشرية جمعاء، ممثّّلة في زعيمها آدم، سرّ، فالتكفير عنها قد تمَّ بسرّ آخر، بفعل تاريخي، بموت يسوع الفدائي، آدم الآخر، وسيّد البشرية الجديد.
"على الإنسان المتجدّد أن يحرص على توثيق وحدته بالمسيح، ولا يعود يحقّ له أن ينساق وراء أهواء الجسد، بل عليه أن يستجيب لإيحاءات الروح القدس، ويجتهد في اكتساب هذه الحياة الجديدة، كل يوم، والى إنمائها، وتوسيع آفاقها، وتعميقها، وترسيخها بإزاء النعمة الإلهية. وهكذا بفضل تجلّ مطّرد ومتدرّج، يسير الإنسان المتجدّد، خطوة خطوة، حتى يبلغ حياة الله الكاملة والأبدية، قاهراً إبليس، والخطيئة والموت. ومسيرة الخلاص هذه، ، هي ، لكل إنسان، مسيرة قصيرة تطبعها الأفراح والآلام، والصراعات، والهزائم والإنتصارات، وما مأساة كل وجود إنساني سوى آنّة قصيرة تصبو نحو التجلّي والتناغم الأبديين اللذين يتحقّقان عندما تنشد الخليقة الموحّدة في الله نشيد الخلاص.
إنّ نظرة بولس هذه هي أنشودة رجاء، ومصباح مضاء في عالم صائر الى الزوال. ولا عجب إن وجدت في دياميس المسيحيين الأوائل كتابات تقول: " أنتم الوثنيين، العائشين فوق الأرض، أنتم الأموات الحقيقيون، فيما نحن ، هنا الأموات، تحت الأرض، نحن الأحياء الحقيقيون"
لقد أحدثت الخطيئة في الكون شرخاً أليماً، جعلت البشرية تعاني أبداً آلام ولادة ، وتتطلّع الى الخلاص؛ وأبدت التاريخه مسخاً مريعاً، ولغزاً محيّراً، وقد زاد الوحي والفداء الإنسان إدراكاً للهوى المخيفة التي يسير على شفاها، ولكنّهما زوّداه باليقين بأنّ كلَّ هذا النشاز سيزول، يوماً، في تناغم أبدي. وفي تلك الأثناء تتضرّع الخليقة الى خالقها أن ينقذها من براثن الشرير.
والى جانب تضرّع الخليقة، " يشفع الروح القدس لنا ، بأنّات لا توصف"، ويسكب على الخليقة المتألمة والمتأوهة رجاء الإنعتاق م الفساد، وبلوغ حريّة ابناء الله.
لقد أبرز بولس الإنسان الممزّق بين انحياز فكره للخير، وانزلاق جسده نحو الخطيئة التي تسيطر على أعضائه:" إني لا أفهم ما أفعل؛ فما أريده لا أفعله، وما أكرهه إياه أفعل....يا لي من إنسان شقي ! من ينقذني من جسد الموت هذا؟ ...فهاءنذا عبد ، بالعقل، لشريعة الله، وعبد ، بالجسد، لشريعة الخطيئة"
غير أن بولس ، عقب هذه الصيحة الموجعة ، يسارع، في الفصل الثامن، الى إطلاق نشيد الخلاص محلّقاً الى قمم شامخة، والى أجواء سامية: " لأن شريعة الروح الذي يهب الحياة في المسيح يسوع قد حرَّرتني من شريعة الخطيئة والموت...فمن يفصلنا عن محبة المسيح؟ أشدة ، أم ضيق، أم اضطهاد، أم جزع، أم عري، أم خطر، أم سيف؟...في كل ذلك فزنا فوزاً مبيناً بالذي أحبّنا ، وإنّي لواثق بأنه لا موت، ولا حياة، ولا ملائكة، ولا اصحاب رئاسة، ولا حاضر ، ولا مستقبل، ولا قوّات، ولا علو، ولا عمق، ولا خليقة أخرى، بوسعها أن تفصلنا عن محبة الله في المسيح يسوع ربّنا"
وبعد أن أسهب بولس في إظهار أن الشريعة الموسوية لم يبقَ لها في مسيرة الخلاص شأن، عبّر عن ألمه " لأن إخوته وبني قومه باللحم والدم" أي اليهود الذين عميت أبصارهم عن رؤية المسيح، ما زالوا متمسّكين بحرف تلك الشريعة، زائغين عن روحها.إن تخاذل إسرائيل أعطى أولوية الخلاص للوثنيين، " الذين لم يسعوا الى لبرّ، قد نالوا البرّ الذي ياتي من الإيمان، في حين أن اسرائيل الذي كان يسعى الى شريعة برّ لم يدرك هذه الشريعة".
ويهتف بولس :" ما أبعد غور غنى الله وحكمته وعلمه! وما أعسر إدراك أحكامه وتبيّن طرقه! " ويختم رسالته الى أهل رومة بتوصيات عماية سلوكية مستوحاة من الحياة الجديدة في المسيح ومن شريعة المحبّة.
ثالثاً: لاهوت وتعليم القديس بولس
انجيل بولس
"انجيل بولس" هو مضمون تبشيره، المكتوب في رسائله. وما لاهوته سوى قصّة حبّ بين نفس والهة، والهها المحبوب.
لاهوت بولس لم يقم على خبر سمعه، بل على يسوع الحيّ الذي كلّمه، ثم ّ تكلّم فيه ، لا على يسوع التاريخ، بل على يسوع الروح الحي أبداً، والفعّال في قلوب البشر ونفوسهم.إنه خلاصة الحب الخصب الذي عاشه بولس مع يسوع.
محور كل لاهوت بولس هو يسوع الرب، بكل ألوهته، وبكل غنى مجده، بوجوده السابق اتجسّده، وبتجسّده، وتعليمه، وآلامه، وصابه، وموته، وقيامته، وصعوده، وبشفاعته الدائمة لدى الآب، وبنعمته التي يجود بها عبر روحه القدّوس.
وروح لاهوت بولس هو " في المسيح" و " مع المسيح". فالمسيحي هو من مات في يسوع وقام معه، وما الكنيسة سوى "جسده" وروحه، ومستودع تعليمه.وواجب المسيحي، لكي يكون عضواً فاعلاً في هذا الجسد ، أن يتمثّل بالمسيح في موته وقيامته، وأن يعيش فيه، لكي يتمجّد " معه" الى الأبد.
إن مسيرة بولس، وتبشيره ورسائله يحكمها ، جميعها، ونطق واحد، ودينامية واحدة نابعة من لقائه الحاسم ، على طريق دمشق، بالمصلوب الذي قهر الموت، ذلك الحدث المباغت الصاعق الذي حوَّل شاول الفرّيسي الى بولس الرسول.
من الرب الممجد، إذن، تعلّم بولس كل شيء، وما فكر بولس سوى فكر يسوع الذي أطلعه على سرّ محبة الله. وتوغل بولس في الإندماج بيسوع، بحيث بات يسوع هو الذي يحيا ويعمل فيه، وهو الذي يتكلّم بفمه، ويعلّم من خلاله.
رابعاً: بعض كلمات القديس بولس
من الرسالة الى أهل رومة
- " أنا لا أستحي بإنجيل المسيح، فهو قدرة الله لخلاص كلّ من آمن" (روم 1/16)
- "إن لطف الله يدعونا الى التوبة" ( روم2/4)
- " إن الله لا يحابي الوجوه" ( روم2/11)
- " إن كنّا قد متنا مع المسيح، نؤمن أنّا سنحيا، أيضاً، معه" ( روم 6/8)
- " لا تجعلوا أعضاءكم أسلحة إثم للخطيئة بل ...أسلحة برّ لله" ( روم 6/13)
- " الذين هم بحسب الجسد ينزعون الى ما للجسد، والذين هم بحسب الروح الى ما للروح. نزعات الجسد موت، ونزعات الروح حياة وسلام" ( روم8/5-6)











