هنالك أمراض تعتمد في تشخيصها على الفحوص المخبرية. وربما كان الداء السكري في طليعة هذه الأمراض. بل هو أشهرها مطلقاً. بيد أن هنالك حقيقة تضع المتأمل في حيرة كبيرة. ذلك أن الداء السكري تم اكتشافه ــ في بعض الآراء ــ في القرن الخامس قبل الميلاد. فكيف تم تشخيصه وإطلاق تسمية (الداء السكري) عليه في زمن سبق الفحوص المخبرية بمئات السنين؟
النمل كان هناك!
يروي التاريخ أن أحد الأطباء الهنود لاحظ في القرن الخامس قبل الميلاد أن النمل يهرع إلى بول بعض المرضى الذين كانوا يعانون من أمراض معينة. واستغرب هذه الظاهرة. وتساءل: ما الذي يمكن أن يجذب النمل إلى البول؟ ثم قاده الفضول العلمي إلى أن ........ (يتذوّق) ذلك البول الذي ينجذب إليه النمل! واكتشف أن طعم البول كان حلواً. فعرف أن هؤلاء المرضى يعانون من داء غريب ينطرح فيه السكر في البول. وهذه أقدم إشارة ذكرها التاريخ لوصف هذا المرض. ولكنها كانت فقط بداية الحكاية.
من أعطى الداء اسمه؟
كان (سلسوس) من أوّل من أشار إلى الداء بوصف علمي حيث ذكر أنه يتصف بزيادة كبيرة في كمية البول. ولكن أول من ساهم في ابتكار الاسم المعروف للمرض في اللغات الأجنبية اليوم (ديابيتيس مليتوس) كان (آراتايوس) وكان ذلك في القرن الأوّل الميلادي حيث قدم كلمة (ديابيتيس) التي نترجمها اليوم على أنها (البيلة) ومعناها الأصلي (الماء المتدفق في شلال) إشارةً إلى كثرة كمية البول عند المرضى. وأما (مليتوس) فتعني (العسل) وكان الذي أطلقها هو (توماس ويليس) في عام 1674م ...... ثم اتحدت الكلمتان وتطور الاسم ليعبرعن المعنى الواقعي للمرض الذي يسمى علمياً اليوم (البيلة السكرية) فيكون قد ساهم في إتمام الاسم عالمان من عصرين مختلفين. وتأخر الوصف العلمي للمرض من قبل علماء الصين إلى القرن السابع الميلادي حيث ذكره الطبيب (شين شوان).
ابن سينا
الشيخ الرئيس وطبيب العرب العظيم ابن سينا ــ المولود عام 980 م والمتوفى عام 1037 م ــ أدلى بدلوه أيضاً. ففي كتابه التحفة (القانون في الطب) المؤلّف في القرن الحادي عشر الميلادي والمحتوي على مليون كلمة والذي طبع (بالعربية!) في روما عام 1593 قدم ابن سينا وصفاً دقيقاً للداء السكري بمعايِر ذلك الزمن. وظل كتابه مرجعاً مقررا في كليات الطب لفترة لم يتمتع بها أي كتاب قبله أو بعده حيث ظل مستخدما بشكل جدي حتى القرن السابع عشر. ودقة ابن سينا في وصف الأمراض عموماً جعلت الكتاب يترجم إلى عدة لغات منها اللاتينية (التي كانت له فيها 15 طبعة) والإنكليزية بل لقد كانت له ترجمة عبرية! ويقال إن الكتاب أثر في كثير من العلماء والفنانين الذين كان أحدهم (ليوناردو دافنشي)!
السكر هو السبب
وفي عام 1784 أوضح العالم (ماثيو دوبسون) في أمريكا أن حلاوة بول المصابين ناجمة عن السكر ثم قام (مايكل شيفرول) بعد ذلك بأربعين عاماً بإثبات هذه الحقيقة إثباتاً علمياً يقينياً.
محاولات للعلاج
لقد بدأت محاولات معالجة الداء السكري في مرحلة مبكرة لم يكن يعرف فيها عن المرض سوى البُوال (زيادة كمية البول). وفي عصر لم تعرف فيه آليات المرض كان من الطبيعي أن تعتمد المعالجة بشكل رئيس على الحمية. ولعل أول من طبق الحمية بشكل منهجي كان (جون رولو) الذي حقق بوساطتها نجاحاً نسبياً. وكان (رولو) أول من لاحظ رائحة الأستون في أنفاس بعض المرضى. وفي نفس الفترة لاحظ (توماس كولي) أن غدة البنكرياس في المرضى كانت مصابة بالحصيات وبالأذية النسجية الظاهرة.
كلود برنار
ربما كان (كلود برنار)أعظم شخصية في تاريخ الداء السكري. فهو رجل درس علم الصيدلة في بداياته ثم اتجه إلى الطب وأصبح أستاذاً لهذا العلم في فرنسا. وكان صاحب الاعتقاد الشائع ــ في ذلك الحين ــ أن الداء السكري كان ناجماً عن زيادة إفراز السكر من قبل الكبد. ثم اكتشف العلماء بالتدريج أن هذا الاعتقاد كان خاطئاً ولاحظوا ــ في القرن التاسع عشر ــ أن الأمر متعلق بسوء وظيفة لخلايا تدعى (الخلايا بيتا) الموجودة في جزر خلوية خاصة في غدة البنكرياس والتي تعرف اليوم بجزر (لانغرهانس) الذي كان عالماً ألمانياً وصف هذه الجزر في الحيوانات الثديية في عام 1869. ثم اكتشف العالمان الألمانيان (مرينغ) و(مينكوفسكي) أن إزالة البنكرياس جراحياً تؤدي إلى الداء السكري في الحيوانات. وكان ذلك مفتاحاً لمعرفة آلية المرض مما كان يقتضي بالضرورة البحث عن علاج نوعي له. وقام عالم روماني يدعى (بانلسكو) بمحاولة ذكية حقن فيها حيواناً بخلاصة البنكرياس فنفق بعد إصابته بالسبات. ونعرف اليوم طبعاً أن سبب السبات كان نقص السكر في الدم بسبب الجرعة العالية التي حقن بها الحيوان من خلاصة البنكرياس. ثم لاحظ (كوسماول) العالم الألماني وجود ما يسمى بالسبات السكري (الناجم عن الارتفاع الشديد للسكر والمؤدي إلى تشكل الكيتونات في الجسم). وفي عام 1906 وصف عالم يدعى (نونين) ما نعرفه اليوم بالحماض السكري.
ثم جاء الإنسولين!!!
الإنسولين كان يمثل قصة انتصار العلم على هذا الداء الفتاك. ففي عام 1921 وفي كندا كان هنالك طبيب أمراض عظمية (غير ناجح!) يدعى (فردريك بانتينغ) اعتقد من خلال قراءاته عن العلاقة بين البنكرياس والداء السكري أنه كان قادراً على العثور على حل. وقد بلغ به الجهل أنه لم يسمع بالمحاولات الكثيرة التي أخفقت في الحصول على هذا الحل. وربما كان هذا أكثر نقطة قوة تمتّع بها!
وقام بانتينغ بإقناع أستاذ للفيزيولوجيا في تورونتو بمساعدته في مشروعه الكبير. وشاركهما فيه طالب طب يدعى (بست). وفي عام 1922 نجح المشروع نجاحاً كبيراً. فقد تمكن الفريق من الحصول على خلاصة شبه نقية للبنكرياس وتمكن بوساطتها من علاج شاب اسمه (ليونارد تومسون) كان عمره 14 عاماً ويعاني من حالة شديدة من الداء السكري. وتم حقنه بهذه الخلاصة التي سميت (الإنسولين) وكانت النتائج باهرة. وانتشر الخبر في أنحاء العالم وأصبحت تورونتو (مسقط الأطيار) يأتي إليها الأطباء من كل فج عميق ليتعلّموا كيفية تحضير المادة السحرية الجديدة. واحتكرت صناعة الإنسولين في أمريكا شركة (ليلي) بينما قام عالم دانماركي يدعى (كروغ) بتأسيس مؤسسة غير نفعية في كوبنهاجن لصناعة الدواء خارج الولايات المتحدة. ولم تكن المستحضرات المبكرة للإنسولين نقية فقد كانت كل حقنة تتكون من 10 مل (أي حوالي ملعقة كبيرة) فكانت مؤلمة جداً. ثم تم الحصول بالتدريج على أشكال أنقى إلى أن وصل العلاج إلى شكله الحالي. ثم تم ابتكار الإنسولين طويل التأثير المسمى (لنت) في عام 1954. وفي عام 1955 تمكن العالم (فردريك سانغر) من جامعة كامبريدج من الحصول على (بلورات الإنسولين) الصافية فحاز على جائزة نوبل.
علاجات فموية
ومن خلال تطور المعرفة بالداء السكري أدرك العلماء أن هنالك نموذجين للمرض. النموذج (1) وهو المعتمد على الإنسولين. أي لا يمكن علاجه إلا بإعطاء الإنسولين. والنموذج (2) الذي يمكن علاجه بأدوية تشجع البنكرياس على إفرازه. ومن هنا أتت فكرة المعالجات الفموية. وكانت أول مجموعة من خافضات السكر الفموية الأدوية المسماة (السلفونيل يوريا) والتي اكتشف بالصدفة تأثيرها في خفض سكر الدم بعد أن كان يتم تجريبها لمعالجة التيفوئيد. اسم المكتشف كان (جونبون). وقدم اكتشافه على طبق من ذهب لعالم الفيزيولوجيا (لوباتيير) الذي طبقه في علاج الداء السكري فموياً عند الحيوانات. كان ذلك في عام 1944. وتم استخدام هذه الأدوية في الإنسان عام 1954 من قبل (فرانك) و( فوكس) في برلين فكان ذلك حلماً علمياً آخر يتحقق. ثم تم ابتكار أدوية أخرى كالـ (بيغنانيد) في الخمسينات. ثم تم تقديم الـ (ميتفورمين) في السبعينات وتم تطويره في الثمانينات. أما عصرنا الحالي فيشهد أدوية جديدة من هذه الفئة باستمرار.
تاريخ يكمله المستقبل
وبعد فهذه فصول مختصرة عن قصة تشخيص وعلاج الداء السكري. إن كل ما نرجوه هو ألا تشكل هذه الفصول كل تاريخ هذا الداء بل أن توضع فصول نهايته السعيدة في المستقبل القريب. فالعلماء يعملون كل يوم بجد كبير ودأب عظيم لاكتشاف أدوية جديدة تقدم الشفاء من هذا المرض. هم يعملون بنفس الدأب الذي يعمل به النمل الذي قام منذ ألفين وخمسمائة عام باكتشاف داء يدعى الداء السكري!











